سيد قطب
2240
في ظلال القرآن
ويعرضون عن نداء اللّه لهم وهدايته . واللّه رحيم بهم يعينهم ويهديهم وييسر لهم المعاش ، وينجيهم من الضر والكرب ، ويستجيب لهم في موقف الشدة والضيق . . ثم إذا هم يعرضون ويكفرون : « رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً . وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً » . . والسياق يعرض هذا المشهد ، مشهد الفلك في البحر ، نموذجا للحظات الشدة والحرج . لأن الشعور بيد اللّه في الخضم أقوى وأشد حساسية ، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم ، تتقاذفها الأمواج والتيارات والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمن . إنه مشهد يحس به من كابده ، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزة وكل رجفة في الفلك صغيرا كان أو كبيرا حتى عابرات المحيط الجبارة التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار ! والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية وهو يشعر الناس أن يد اللّه تزجي لهم الفلك في البحر وتدفعه ليبتغوا من فضله « إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً » فالرحمة هي أظهر ما تستشعره القلوب في هذا الأوان . ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي للاضطراب العتي . حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا اللّه ، فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر لا يدعون أحدا سواه : « ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ » . . ولكن الإنسان هو الإنسان ، فما إن تنجلي الغمرة ، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة ، فينسى اللّه ، وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات ، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر : « فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً » إلا من اتصل قلبه باللّه فأشرق واستنار . وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر أو وهم يعودون إليه في البحر ، ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار اللّه وحماه ، لا في البحر ولا في البر ؛ لا في الموجة الرخية والريح المواتية ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح : « أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ؟ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى ، فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ؟ » . إن البشر في قبضة اللّه في كل لحظة وفي كل بقعة . إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر . فكيف يأمنون ؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بر كان ، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة اللّه ؟ أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار ، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون اللّه وكيلا يحميهم ويدفع عنهم ؟ أم كيف يأمنون أن يردهم اللّه إلى البحر فيرسل عليهم ريحا قاصفة ، تقصف الصواري وتحطم السفين ، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم ، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم ؟ ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا . ثم يأمنوا أخذه وكيده . وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة . كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها اللّه !